الغزالي

5

إحياء علوم الدين

من هذا الشيخ ؟ فقيل له هذا محمد بن المنكدر . فقال لا إله إلا الله ، هذا الذي نستسقي به في البوادي إذا قحطنا . فهذا إحسان في أن لا يربح على العشرة الا نصفا أو واحدا ، على ما جرت به الغادة في مثل ذلك المتاع في ذلك المكان ومن قنع بربح قليل كثرت معاملاته ، واستفاد من تكررها ربحا كثيرا ، وبه تظهر البركة . كان علي رضي الله عنه يدور في سوق الكوفة بالدّرة ويقول ، معاشر التجار ، خذوا الحق تسلموا لا تردوا قليل الربح فتحرموا كثيره . قيل لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ما سبب يسارك ؟ قال ثلاث ، ما رددت ربحا قط ، ولا طلب منى حيوان فأخرت بيعه ، ولا بعت بنسيئة . ويقال إنه باع ألف ناقة فما ربح إلا عقلها ، باع كل عقال بدرهم ، فربح فيها ألفا ، وربح من نفقته عليها ليومه ألفا الثاني : في احتمال الغبن . والمشتري ان اشترى طعاما من ضعيف ، أو شيئا من فقير ، فلا بأس أن يحتمل الغبن ويتساهل ، ويكون محسنا ، وداخلا في قوله عليه السلام « رحم الله امر أسهل البيع سهل الشّراء » فأما إذا اشترى من غنى تاجر ، يطلب الربح زيادة على حاجته فاحتمال الغبن منه ليس محمودا . بل هو تضييع مال من غير أجر ولاحمد . فقد ورد في حديث من طريق أهل البيت [ 1 ] « المغبون في الشّراء لا محمود ولا مأجور » وكان إياس بن معاوية ابن قرة قاضى البصرة ، وكان من عقلاء التابعين يقول ، لست بخب ، والخب لا يغبننى ، ولا يغبن ابن سيرين ، ولكن يغبن الحسن ويغبن أبي . يعنى معاوية بن قرة والكمال في أن لا يغبن ولا يغبن ، كما وصف بعضهم عمر رضي الله عنه فقال ، كان أكرم من أن يخدع ، وأعقل من أن يخدع . وكان الحسن والحسين وغيرهما من خيار السلف يستقصون في الشراء ، ثم يهبون مع ذلك الجزيل من المال ، فقيل لبعضهم تستقصى في شرائك على اليسير ثم تهب الكثير ولا تبالي ؟ فقال ان الواهب يعطى فضله ، وان المغبون يغبن عقله . وقال بعضهم انما أغبن عقلي وبصرى فلا أمكن الغابن منه . وإذا وهبت أعطى لله ولا أستكثر منه شيئا .